مقالات

د.حازم الشاذلي يكتب.. “محمد عبدالوهاب” إنه حقًا موسيقار الأجيال وبلا منازع

أحيانا أتسائل كيف تخرج منه هذه الألحان والجمل الموسيقية الرشيقة الأنيقة السهلة بامتناع وعلى مر كل هذه الأعوام.

عندما بدأ اتهموه بأنه يقتبس من الموسيقى العالمية وبالفعل كان هناك بعض الجمل الموسيقية المقتبسة ولا أظن أن هذا كان عيباً فيه بقدر ما  كان حاجة فى هذا الوقت لتطعيم الموسيقى العربية لتتخلص من شىء من إيقاعها الرتيب ، ثم لا يلبث عبدالوهاب أن يتخلص من هذا الاتجاه ويمتعنا بألحانه والتى كانت سمة مميزة أيضاً لأفلامه الشهيرة بالرغم من تواضع موهبته فىى التمثيل وعلي سبيل المثال لا الحصر أفلام يوم سعيد ويحيا الحب ورصاصة في القلب.

ويستمر إبداعه علي مر السنين فنراه يبدع في كل المجالات الموسيقية، لم يترك مجالاً إلا وترك فيه بصمته أمتعنا فى المسرح الغنائى بداية أمام منيرة المهدية ثم التقى بمعلمه ورفيق ثقافته أمير الشعراء أحمد بك شوقى ليبدعا انا انطونيو وانطونيو أنا ثم الاوبريت الأشهر مجنون ليلى.

ثم تجىء مرحلة جديدة فى حياته ويبدع لنا ألحانا فى غاية التميز مثل قول لي عملك إيه وأنا والعذاب وهواك ولا مش أنا اللي أبكى وهو اللحن العالمى بامتياز حتى أن مطربة الأوبرا الشهيرة فاطمة سعيد تختاره لتغنيه بتوزيع جديد وأداء رائع.

وفى مجال الأغنية الدينية ساكتفى بمثال واحد يبين لنا مدى قدرته على تطويع موهبته لخدمة نوعية اللحن وهو أغنية مواكب النور للثلاثى المرح.

أما عن الأغنية الوطنية فحدث ولا حرج تفوق فى هذا الجال بدءاً  من حب الوطن فرض على الخالدة  ثم الروابى الخضر مروراً بالأغنية الجماعية مثل الوطن الأكبر  والجيل الصاعد وصوت الجماهير وهذه اختارتها أيضاً فاطمة سعيد لتغنيها أوبراليا بجدارة وبعد النكسة يغني طول ما أملي معايا من كلمات الرحبانية.

واستمر عبدالوهاب في إبداعه الوطني بعد رحيل عبد الناصر في مرحلة السادات ومبارك فيلحن للشباب ونجد اغنية في غاية التميز لمحمد ثروت وهى مصريتنا

اهتم عبدالوهاب بالموسيقى الخالصة بعيداً عن الأغنية وتفوق فيها بل واهداها للأفلام  لتكون أحياناً موسيقى للرقصات مثل خطوة حبيبى وابن البلد وعش البلبل وعزيزة وحياتى وفانتازى نهاوند.

ثم نطرق مسألة تلحين عبدالوهاب لغيره وأري أنه استطاع أن يطوع موهبته لتتناسب مع صوت من يلحن له وقدراته الفنية فكان لقاءه الفارق مع حليم ولحن له أروع أغانيه ( توبة واهواك وأنا لك على طول) .

ثم يتحدي الزمن بأغنية نستطيع أن نقول أنها من بدايات الأغنيات الشبابية وهى “يا قلبي يا خالي”، والتي راهن أن تتفوق جماهيريا علي أغنية ظلموه في نفس الفيلم بنات اليوم ، ولكن الذوق المصري يختار ظلموه التي تناسب طابع الشجن الذي يحبه المصريون كما يقول الكاتب الكبير أنيس منصور، ثم يغني له حليم من كلمات الرائع كامل الشناوي “لست قلبي” ثم الأغنية الروائية “فاتت جنبنا” وكانت تجربة جديدة لحسين السيد مثل ساكن قصادى لنجاة.

يصنع عبدالوهاب لكل مغني أو مغنية لحناً يكون نقله في حياته لحنا يتناسب مع إمكانيات صوته فنراه يلحن لشادية أحبك  ولفايدة كامل والتى صوتها في الأغاني الوطنية كان ذو نبرة عالية استطاع أن يطوعه في أغنية وطنية جميلة ذات نبرة في منتهي العذوبة هي ياسادات.

ويلحن لنجاة بدءًا من اه باحبه مروراً بروائع نزار قبانى أيظن وماذا أقول له ، انتهاءًا بمتى ستعرف كم أهواك ولا يمكن أن ننسي عاليادي واه لو تعرف.

ولحن لفايزة أحمد بعد رائعه حمال الأسية الأغنية الأسطورية الخالدة ست الحبايب ويروى الأستاذ أنيس منصور أن عبدالوهاب إنهال علي فايزة بالسباب لأنه اكتشف أنها أكلت قبل أن تسجل هذه الأغنية وذلك حرصاً منه على الكمال كما هو معروف عنه.

ويلحن لـ وردة الجزائرية إسال دموع عينيا ليتعرف عليها الجمهور المصري وأيضاً لولا الملامة، ويلحن لصباح أغنيتها الشهيرة عالضيعة، ويلحن لعبد المطلب فايت وعنيه فى عنيا و اعمل معروف.

ولـ ليلي مراد الحب جميل وماليش أمل في الدنيا دى ، ويلحن للعملاق وديع الصافى أغنية من أجمل أغانيه وهى عندك بحرية يا ريس ،ويلحن للصوت الملائكى فيروز مر بى وسكن الليل وتغنى له هى خايف أقول فتزيدها جمالاً وروعة وغيرهم كثير.

ثم نجىء للنقلة الكبرى لقاء السحاب بين عبد الوهاب وثومة عام 1964 بتوجيه من عبد الناصر أغنية أنت عمري نقلة نوعية فنية فعلاً فى حياتهما وفي حياة المصريين الفنية.

مقدمة موسيقية غير تقليدية عا؛ت على مر السنين ولحن خلاب وكلمات فى منتهى العذوبة وتليها روائع أخري علي باب مصر أمل حياتي فكرونى هذه ليلتي أنت الحب ليلة حب اغدا القاك ثم ياتي اللقاء الوطني الخالد أصبح عندي الآن بندقية من كلمات نزار قباني.

حتى الأغتية المرحة الخفيفة تفوق فيها عبدالوهاب فطوع صوت نجيب الريحاني الاجش في الطف أغنية وهى عيني بترف ، ولحن لفؤاد المهندس أنا واد خطير  فى فيلم جناب السفير، وأغنية حظرتنا في مسرحية أنا وهو وسموه .

ولعل أشهر أوبريت عرفه المصريون هو أوبريت اللي يقدر على قلبي لـ ليلي مراد ومجموعه الفنانين، وفيه تبرز قدرته علي التطويع فيغني إسماعيل يس وشكوكو  مقطعين يرددهما كل المصريين.

اختار لنفسه حياة منظمة هادئة لطيفة بعيداً عن البوهيمية المزعومة للفنانين  أحب و تزوج وأنجب وكون عائلة وابتعد عن المهاترات والخلافات والأحقاد وهادن كل العصور وتعلم من كل المثقفين واستمع أكثر مما تكلم وحافظ على صحته واشتهر بالوسوسة الصحية ، فعاش حتى بلغ التسعين ولم يشأ أن يرحل إلا بعد أن ترك لنا رائعته “من غير ليه”.

رحم الله موسيقار الأجيال وأسكنه فسيح جناته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى