هند حماد تكتب: حين يكون النصيب حُزنًا

أيُعقل أن يأخذ الإنسان نصيبه حُزنًا من أغلى أحبابه؟
سؤال يطرق القلب كلما انكسر جزء منه على غيابٍ أو خذلانٍ أو رحيلٍ لا عودة فيه.
الحب، في جوهره، وعد بالأمان، لكنه في واقع الحياة لا يُترجم دائمًا إلى سعادة دائمة؛ فكم من علاقات بُنيت على الشغف ثم انتهت بالخذلان، وكم من أحلام تشاركتها القلوب لتستيقظ فجأة على الفقد.
النصيب الذي لا نفهمه
يقولون إن لكل إنسان “نصيب”، لكن النصيب ليس دائمًا ابتسامة أو لقاءً أو اكتمالًا، أحيانًا يكون النصيب فقدًا يعلّمنا الصبر، وألمًا يُهذّب أرواحنا، وجُرحًا يعيد ترتيب أولوياتنا، وربما في الحزن نصيبٌ لا نراه الآن، لكنه يُنضجنا ويُقوينا، ويمنحنا قدرة على فهم معنى العطاء بلا مقابل.
الوجع المتكرر
المؤلم حقًا أن التجربة لا تكون مرة واحدة؛ بل “كل مرة”، وكأن الإنسان محكوم بأن يُعيد الدرس حتى يتقنه: درس الفقد، درس التقبّل، ودرس أن القلب مهما كان وفيًّا، يظل عُرضة لأن يذوق مرارة الغياب.
الفلسفة الخفية للحزن
الحزن على قسوته ليس دائمًا عدوًا، إنه نافذة نطل منها على هشاشتنا كبشر، ومرآة تُرينا أننا لم نُخلق لنخلد في حياة بلا خسائر، وفي الحزن نتذكر أن الخلود ليس هنا، وأن الحب الحقيقي ربما يكتمل في دارٍ أخرى، حيث لا وداع ولا غياب.
وربما أصعب ما في هذا النصيب ليس الحزن ذاته، بل الصراع الداخلي بين ما نتمناه وما كُتب لنا؛ ذلك الشدّ الخفي بين قلبٍ لا يزال مُعلّقًا بما فقد، وعقلٍ يُحاول أن يُقنعه بأن الرحيل كان ضرورة لا خيارًا. في هذه المسافة بين الإحساس والتسليم، ينضج الإنسان على مهل، يتعلّم كيف يُحب دون أن يتملّك، وكيف يترك دون أن ينهار، وكيف يُعيد بناء نفسه من بقايا الخذلان. هناك، تحديدًا، يولد شكل جديد من القوة؛ قوة هادئة لا تُرى، لكنها تجعلنا قادرين على الاستمرار… لا لأننا لم نعد نشعر، بل لأننا تعلّمنا كيف نحتمل ونمضي.
وقد يأتي وقتٌ يهدأ فيه كل شيء، لا لأن الجرح اختفى، بل لأنه تعلّم أن يصمت. نُدرك حينها أن بعض الحكايات لم تُخلق لتكتمل، وأن جمالها كان في مرورها لا في بقائها. نُسلّم أخيرًا بأن ليس كل من أحببناهم كُتب لهم أن يظلوا، وأن بعض القلوب تأتي لتترك أثرًا فقط، لا لتُقيم. وعندما نصل إلى هذا الفهم، يتبدل الحزن من عبءٍ يُثقلنا إلى ذكرى تُعلّمنا… فنبتسم رغم الألم، ونمضي بخفّة من عرف أن الفقد، مهما كان قاسيًا، لا يمنع الحياة من أن تُزهر من جديد.
ختامًا
نعم، يُعقل أن يكون نصيب الإنسان من أحبته حزنًا، لكن المُعجزة الحقيقية أن نخرج من هذا الحزن أكثر وعيًا،.. وأقل تعلّقًا بالناقص، وأكثر يقينًا بأن في كل وجع حكمة، وأن نفهم أن النصيب ليس النهاية، بل فصل من الحكاية، وفي كل فقد وعدًا بلقاء أجمل في زمنٍ آخر ومكانٍ أبقى.




