مقالات

محمود… بين غيابك وقلبي قصة حزن لا يفهمها إلا الله

قلم/ هند حماد

 

 

هناك رحيلٌ يهزّ الروح، ورحيلٌ يترك ندبةً لا تلتئم مهما مرّ الوقت.
وهناك أشخاصٌ يغادرون الدنيا… لكنهم لا يغادرون قلوب من أحبوهم.
ومحمود واحد من هؤلاء الذين يرحلون بالجسد فقط، وتظل أرواحهم عالقة فينا، معلّقة بنا، تنبض في تفاصيلنا كل لحظة.

منذ أن رحل محمود، وأنا أعيش على حدود بين الحنين والوجع؛
أحاول أن أتماسك، وأتعثر كل مرة أمام غيابه.
لم يكن رحيله حدثًا عابرًا… بل صدمة أعادت تشكيل يومي كله.
غيّرت صوت البيت، دفء البيت، وروح البيت.
غاب صوته… وغابت لمساته… وغاب ذلك الحنان الذي كان يهوّن عليّ أقسى ما في الحياة.

رجل لا يتكرر… وقلب لا يمكن تعويضه

محمود لم يكن مجرد رجل في حياتي، كان جزءًا مني، كان الطمأنينة التي ألوذ بها، وكان الكلمة التي تعيد لي نفسي، وكان الحضور الذي لم أجد له شبيهًا يومًا.

عشت معه مشاعر لا تُخلق إلا مرة واحدة في العمر، كان أحنّ من رأيت…
أصفى قلبًا، وأوسع صدرًا، وأكثر إنسانية مما تستطيع الكلمات وصفه، كان وجوده دفئًا، وصوته حياة، وقلبه وطنًا.

ولذلك… كان فقدانه موجعًا إلى حد يفوق الوصف، هو رحيل لا يشبه أي فراق…
وجع يسكن الصدر، ويتسلل إلى النفس في كل لحظة، وخسارة لا أملك منها مهربًا… ولا أظنني سأتعلم التعايش معها يومًا.

الاشتياق… أقسى صور الذاكرة

أشتاقه في كل لحظة دون انقطاع، أشتاق إلى صوته وهو يناديني، أشتاق إلى ضحكته التي كانت تملأ البيت دفئًا، أشتاق إلى حديثه معي آخر الليل، وأشتاق حتى صمته… ذلك الصمت الذي كان أمانًا لا يعوّض.

اشتياقي له لا يهدأ، بل يكبر…
تكبر معه وحدتي، وتثقل الأيام، وتصبح الليالي أطول مما يحتمل القلب.

الأماكن فقدت نورها بدونه،
والحياة أصبحت أقل حياة.

فقده… ألم لا ينتهي

رحيل محمود لم يكن صفحة تُطوى، بل جرحًا مفتوحًا لا يلتئم، رثاؤه ليس كلمات تُكتب…
بل دموع تختبئ، وصوت ينكسر، وقلب يُعاد كسره كلما نطقت باسمه.

كلما تحدثت عنه كأنني أعيش الفقد من جديد، كأن الوجع يولد مرة أخرى.

كان يستحق أن يُحب عمرًا كاملًا، أن يُرى كل يوم، أن يعيش كل لحظة، ولذلك كان الفقد قاسيًا… وكان الوجع أكبر من أي احتمال.

لن أنساه… ولن يحل أحد مكانه

هناك من يمرون في حياتنا ويتركون أثرًا عابرًا…
أما محمود، فكان أثره حياة كاملة.

لن أنساه لأنه محفور في روحي،
وصوته يتردد في داخلي، وملامحه لا تغادر ذاكرتي.

لن يعوّضه أحد ولا يمكن لأحد أن يشغل مكانه فهو المكان، وهو الذاكرة، وهو الحكاية التي لا تتكرر.

أما أنت يا زين…
يا أغلى ما تركه لي أبوك، يا قطعة منه تضيء لي الدنيا حين يعمّ الظلام…

أعدك يا ابني أن أكون لك أمًّا وأبًا وسندًا وظلًّا ما حييت.

أعدك أن أضمك إلى قلبي كلما ضاقت الدنيا، وأن أربيك كما كان يتمنى محمود لك على الأخلاق والطيبة والرحمة وحب الله.

سأحفظك القرآن يا زين…
سأجلس إلى جوارك، أردد معك،
وأغمض عينيّ كلما سمعت صوتك الصغير يتهجّى كلمات الله، وأتخيل أباك فخورًا بك… مبتسمًا إليك… فهو كان يتمنى أن يراك يومًا على هذا الطريق.

وسأتمسك بحلمه لك…
الحلم الذي كان يناديك به من أول لحظة: “دكتور زين”.

نعم… ستكبر يا زين،
وتصبح كما كان يتمنى لك أبوك:
طبيبًا يخفف آلام الناس، يعالج جراحهم، كما كان هو يخفف أوجاع قلبي بحنانه.

أعدك يا زين…
لن أترك يدك يومًا، وسأظل بجانبك حتى آخر عمري لأراك تحقق كل ما كان يحلم به والدك، وكل ما أدعو الله به من أجلك كل ليلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى