مقالات

محمد فتحي المرواني يكتب | المشهد الجيوسياسي الراهن: كيف تُدير القاهرة التوازنات الإقليمية بدهاء الشطرنج؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً استراتيجياً بالغ التعقيد، يتجاوز في أبعاده ومساراته التحليلات السطحية، ليتحول إلى ما يشبه مباراة شطرنج كبرى بين قوى إقليمية ودولية تسعى لصياغة نفوذها، وفي المقابل، عقل استراتيجي مصري يتحرك بحسابات دقيقة لحفظ الأمن القومي وصون الاستقرار الإقليمي وإفشال مخططات التفتيت و افتعال الأزمات. 

إفشال السيناريو البديل: تفكيك فخ الصدام الطائفي
لقد ركزت القراءات السياسية طويلاً على محاولات جر المنطقة إلى أتون مواجهة إقليمية شاملة ومدمرة، كان الهدف غير المعلن لبعض القوى الدولية هو إشعال فتيل حرب استنزاف كبرى وصراع مباشر بين الدول العربية وإيران، ومع ذلك أثبتت الدبلوماسية والأجهزة السيادية العربية، وفي مقدمتها الدولة المصرية، وعياً استراتيجياً متقدماً؛ إذ تمسكت القوى الرئيسية بضبط النفس، ورفضت الانجرار إلى معارك بالوكالة، مما فوت الفرصة على الأطراف المستفيدة من استمرار النزيف الإقليمي.
الرسائل العسكرية الحازمة: توازن الردع في سيناء
في إطار حماية حدودها الاستراتيجية، تواصل القوات المسلحة المصرية إرسال رسائل ردع واضحة وعملية، كما إن تكثيف الأنشطة التدريبية، والمناورات بالذخيرة الحية في شبه جزيرة سيناء وعلى مقربة من الحدود، لا يمثل مجرد إجراء روتيني، بل هو تأكيد علني وصارم على جاهزية المقاتل المصري، وفرض معادلة أمنية مفادها أن الأمن القومي المصري خط أحمر، وأن أدوات الردع قادرة على الوصول الفوري لأي مصدر تهديد.
الامتداد الاستراتيجي: صياغة المحاور الأمنية الجديدة
تتحرك القاهرة بخطى ثابتة لتعزيز عمقها الاستراتيجي عبر شبكة تحالفات عسكرية وثنائية غير مسبوقة، فالحديث عن تنسيق عسكري متقدم وتواجد لوجيستي أو تدريبي في عواصم عربية وخليجية، كالإمارات العربية المتحدة، يعكس رؤية متكاملة لمحاصرة التهديدات جغرافياً وحماية الممرات البحرية والجوية الحيوية، هذا التمدد المدروس، والذي يقابله قبول وضبط للمواقف من قوى إقليمية أخرى كإيران، يبرهن على أن التحركات المصرية تحظى بشرعية تامة وتفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً يحمي مقدرات المنطقة.
جبهة الجنوب: تعقيدات حوض النيل ومناورات الوكلاء
لا تنفصل التطورات في شمال وشرق المنطقة عما يجري في عمقها الإفريقي، وتظهر الأحداث الأخيرة في منطقة حوض النيل، والتقلبات السياسية في مواقف بعض دول الجوار مثل جنوب السودان وإثيوبيا، حجم الضغوط والمكايدات السياسية التي تتعرض لها المصالح المصرية خاصة ملف سد النهضة والأمن المائي، كما إن محاولات التضييق على التواجد أو التنسيق المصري في تلك المناطق الحيوية تكشف عن محاولات قوى دولية لفتح جبهات إشغال لمصر، لكن التاريخ القريب يؤكد أن صانع القرار في القاهرة يمتلك دائماً «الخطط البديلة» وأوراق الضغط الكفيلة بتحييد هذه التحركات وحفظ التوازن الاستراتيجي في القارة السمراء.

أقول إن ما تشهده المنطقة ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو صراع إرادات وعقول تقوده أدوات دبلوماسية و استخباراتية رفيعة المستوى، وستبقى الدولة المصرية، بمؤسساتها الراسخة و عقيدتها العسكرية الصارمة، صمام الأمان الحقيقي لحماية وبناء الشرق الأوسط.
حفظ الله مصر، وحماها حصناً منيعاً، وسنداً دائماً لأمتها العربية والإسلامية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى