عاجلمقالات

النائبة أميرة أبوشقة تكتب: «بِلّوه واشربوا مايته»!

عندما نتحدث عن «الرعاية الصحية» التي تُعَدُّ حقًا أساسيًّا، بل من أهم حقوق الإنسان، نجد أن كافة الدساتير المصرية المتعاقبة، حرصت عليها حرصًا شديدًا، وأولتها اهتمامًا كبيرًا، كما انبثقت عنها منظومة «العلاج على نفقة الدولة»، كإحدى أهم أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية.

خلال الفترة الأخيرة، لاحظنا بكل وضوح، أن المنظومة تعاني من أزمات متفاقمة، انعكست بشكل مباشر في صعوبة الحصول على قرارات العلاج، تزامنًا مع نقص حادٍّ في الأدوية الأساسية، مما يُهدد حياة مئات الآلاف من المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة.

ورغم أن العلاج على نفقة الدولة يُفترض أن يكون مُيسَّرًا للمواطنين، فإن الواقع يكشف عن إجراءات معقدة ومُرهقة، يحتاج فيها المريض إلى المرور بسلسلة طويلة من التحاليل والتقارير الطبية، وتقديمها للمجالس الطبية المتخصصة، ثم انتظار الموافقة، التي قد تتأخر لأسابيع أو حتى شهور، رغم أن حالات كثيرة تكون عاجلة ولا تحتمل التأجيل، مثل مرضى الأورام أو الفشل الكلوي أو القلب.

هذا الواقع الأليم أسفر عن أزمة حادَّة في نقص الأدوية، كواحدة من أخطر المشكلات التي تواجه منظومة «العلاج على نفقة الدولة»، إذ يشكو المرضى من عدم توفر الأدوية المقررة في مستشفيات الحكومة أو الصيدليات التابعة لها، مما يُجبرهم على شرائها من الخارج بأسعار باهظة ـ إن وُجدت ـ أو التوقف عن العلاج نهائيًّا!

بالطبع لا يتسع المجال لسرد أسباب النقص الحادِّ في الدواء، لكن أبرزها يكمن في تأخر سداد مستحقات شركات الأدوية، والاعتماد الكبير على الاستيراد، مع تقلب أسعار الدولار، إضافة إلى سوء توزيع المتاح منها، وكذلك غياب الشفافية وضعف الرقابة، وعدم وجود قاعدة بيانات موحَّدة تُحدد مستحقي العلاج على نفقة الدولة، لضمان

العدالة والشفافية.

إن الضرر الأكبر والمباشر يقع على الفقراء ومحدودي الدخل، الذين لا يملكون بدائل، فبينما مَن يملك المال يمكنه اللجوء إلى العيادات والمستشفيات الخاصة، يظل المرضى الفقراء أسرى قوائم الانتظار والأدوية المفقودة.

الآن، ومن واقع شكاوى كثير من المرضى ـ خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة ـ الحاصلين على قرارات علاج على نفقة الدولة، فإنهم لا يستطيعون الحصول على الأدوية اللازمة، وبالتالي لا قيمة لقرارات العلاج، التي يحملونها، أي باختصار «يِبِلُّوها ويشربوا مَايته»!

تلك الأزمة المتفاقمة منذ سنوات، خصوصًا خلال الأشهر الأخيرة، وتحديدًا منذ أبريل الماضي، أمر محزن ومؤسف، إذ أنها ليست مجرد خللٍ في النظام الصحي، بل تمسّ كرامة الإنسان وحقه في الحياة.

لذلك فإن إصلاح هذه المنظومة ضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل، لأن صحة الناس لا يجب أن تكون رهينة لعجز الميزانيات أو ضعف الإدارة، كما يجب أن تختفي من قاموس حياتنا كلمات «العلاج غير متوفر، الدواء ناقص، القائمة ممتلئة، اشترِ الدواء من الخارج ونحن نُعوّضك لاحقًا»، فالحقيقة أن معظم هؤلاء المرضى لا يستطيعون شراء الأدوية على نفقتهم الخاصة، لأنهم لجأوا للعلاج المجاني من الأساس، بسبب ظروفهم المالية الصعبة!

كما أن غياب الدواء يُفقد قرار العلاج على نفقة الدولة أيُّ جدوى، لأنه ما فائدة الورق إذا لم يكن الدواء متاحًا، وما نفع قرار يتضمن تغطية جلسات كيماوي أو علاجًا لمرضٍ مزمنٍ إذا كانت الصيدلية الحكومية لا تملك الدواء، ولا يُتاح في السوق سوى بأسعار لا يستطيع المواطن العادي تحمّلها؟

إذن، يجب وضع حَدٍّ فوري لهذا الوضع المزري، لأن النتيجة الأكيدة أن تلك الأزمة تشكل تهديدًا حقيقيًّا لحياة المرضى، في ظل وجود أصحاب الأمراض المزمنة، الذين لا يمكنهم الاستغناء عن العلاج! 

أخيرًا.. نعتقد أن المسؤولية مشتركة، سواء أكانت الحكومة ووزارة الصحة أو شركات الأدوية وموزعوها، خصوصًا أن أن أزمة الدواء هي أزمة حياة، ولا يجب النظر إليها كمشكلة اقتصادية فقط، فالمريض لا يستطيع الانتظار، ويجب أن يكون هناك تحرك سريع وشامل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فصحة المواطن ليست محل تفاوض أو مساومة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى