دنيا و دين

لصوص ولكن.. (الحلقة الأولى)

قلم / د. شيرين جودة نصر

قد يتبادر إلى ذهنك عزيزي القارئ من عنوان المقال (لصوص ولكن…) ، أنني سأتحدث عن فيلم لصوص ولكن ظرفاء الذى عرضته شاشة السينما فى الستينات ، لكنني هذه المرة سأتحدث عن نوع آخر من اللصوص ليس لهم علاقة بالظُرف أبداً لأنهم للأسف لصوص خطرون يسرقون بلا ضمير أو وازع أو رادع من القانون فهم يسرقون علناً دونما محاسبة من أحد.

لصوص بارعون على درجة عالية من احتراف السرقة وضحاياهم المساكين لا يشعرون بهم بل للدهشة قد يساعدونهم أيضاً.

سنتحدث اليوم عن ثلاثة لصوص كل منهم له أسلوبه ومنهجه وضحيته. ولنبدأ بتقديمهم لكم.

أولاً: لصوص الأحلام:

لصوص الأحلام كثيرون، متفاوتون فى احترافهم وأماكن تواجدهم، فمنهم من يعيش بداخلك ومنهم من يحيط بك، ومن هؤلاء اللّصوص:

1-         الفراغ

يًعد الفراغ من أشرّ لصوص الأحلام، إذ أنه يؤدى إلى العبث وإهدار قدرات الإنسان فيما لا ينفع، وهو المبعث على الضجر وعدم الاكتراث لأى شيء  ، كذلك يؤدى إلى الشعور بالسلبية والميل الى تضييع الوقت فيما لا طائل منه ومن ثم تحويل حياة الفرد الى حياة استهلاكية وليست منتجة فعالة فيتزعزع تقدير الانسان لذاته ويفقد طاقته الانتاجية المبدعة وربما أدى به الامر الى فقدان الحياة ذاتها.

والدليل على كون التحذير من الفراغ بهذه الأهمية هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم عنه فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ))؛ رواه البخاري.

لذا وجب التحذير عزيز القارئ من هذا اللص وذلك بإيقاظ ملكاتك وتحفيز قدراتك واستثمارها لتصيب أهدافك وتحقق أحلامك.

2-         القلق

لا يقل القلق خطورة عن الفراغ إذ أن تأثيره يشمل جميع أركان الحياة مثل الصّحة والنّفس والمستقبل والعائلة والوظيفة، لكن تأثيره ينبع فى الأساس من ضعف الايمان وعدم تسليم الأمر لله ، فالشيطان الرجيم يوسوس للإنسان ويقنطه وييأسه فيرى الماضي سيء والمستقبل مخيف وذلك يؤدى الى سلب ارادته وتدمير احلامه أما الثقة بالله والايمان به فيصل بالإنسان الى الهدوء والسكينة والسلام الداخلي فلا يندم على ما فات ولا يجزع أو ييأس من رحمة الله.

3-         السلبيون أعداء النجاح

من المعروف أن لكل ناجح أعداء يُطلق عليهم أعداء النجاح وهم كذلك بالفعل، فهم لم يعرفوا للنجاح طريقاً ، وبدلاً من أن يكرروا المحاولات للوصول الى النجاح المنشود أسقطوا تجاربهم الفاشلة على الاخرين بأن أوحوا لهم أن كل ما يقومون بفعله سيبوء بالفشل وأن من سبقهم الى هذا العمل كان أقدر منهم وبالرغم من ذلك لم يجن شيئاً ولم ينل الا الخسارة والندم .

هؤلاء لصوص حقيقيون بارعون فى سلب الهمة والشغف وتحويلهما الى احباط وانكسار وهزيمة، ناجحون تماماً فى بث الطاقة السلبية التى تحول دون التقدم وتحقيق الاهداف.

اذا قابلت أحدهم عزيزي القارئ فتجاوزه ما استطعت ولا تستمع له وخذ حذرك فهو لن يتركك وشأنك، كذلك اعلم ان لكل انسان بصمته الخاصة فى الحياة وتجربته الفريدة القائمة بذاتها ، وانك انت وحدك اقدر من غيرك على فهم حلمك وتحديد طريق الوصول اليه فلا تجعلهم يخططون لك- باسم المساعدة – طريق مستقبلك وتجنب هذه البيئة السلبية واستبدلها ببيئة ايجابية داعمة.

وتذكر قول الشاعر ابو القاسم الشابى :

 إذا ما طمحت إلى غايـــة    ركبت المنى ونسيت الحذر

ومن يتهيب صعود الجبال     يعش أبد الدهر بين الحفر

4-         التسويف والمماطلة

سأفعل … ، سوف أفعل ….، غدا سأفعل …. احذر عزيزي القارئ فإنّك تبتعد عن حلمك وتحيد عن طريقه فى كل مرة تسوّف فيها القيام بالهدف الموصل للحلم.  فالمماطلة ليست مجرد لصّ فهي محتالة ايضاً تُمنى النّفس بطول العمر وسعة الوقت وطول الأمل، فتؤجل تحقيق احلامك  يوماً بعد يوم إلى أن يفوت الأوان، وينتهي بك التّأجيل بالحرمان والندم على ما فات حتى يصل بك الحال الى ان تقول ليتني فعلت ، إنّما عليك المسارعة بإنجاز قائمة المهام المطلوبة منك والبدء بتنفيذها الآن.

5-         اليأس وتوابعه 

من منا لم يواجه تحدياً أو شعوراً بالفشل سواء بإرادتنا أو بدون ارادتنا ؟ ولكن هل كل من واجهوا تحديات فى الحياة يأسوا وقنطوا واستسلموا وحدثتهم أنفسهم بأن إعادة المحاولة هو ضرب من المستحيل؟

اليأس .. لا يُعد لصاً فحسب بل هو لص يصل لدرجة قاتل فى كثير من الأحيان لأنه اذا تمكن من الانسان استطاع ان يقتل حلمه وان يلقى به خارج حدود حياته ومن ثم يُجهز عليه فى معركة شرسة مستمرة كلما اعاد المحاولة وفشل مراراً حتى يئس واستسلم، فهو مثل سم الأفعى الذى يتسلل فى دم الانسان اليائس حتى يشل حركته ويقضى على حياته. لا تقلق فهناك ترياق لهذا السم…

اذا ما حدّثك اليأس عن سوء واقعك ومرارة ظروفك وإمكاناتك المحدودة، تذكر انت الأحلام التي سطعت وبرزت من رحم المعاناة، تذكر الأمل الذي ملأ قلوب وعقول العظماء الذين واجهتهم ظروف ربما أقسى من ظروفك لكنهم لم ييأسوا او يستسلموا وعكفوا على احلامهم حتى حققوها، فسلاحهم نبع من الاستمرارية وعدم التوقف، فتسلح بالإرادة وعلو الهمة وذكّر نفسك بأنّنا لا ننتهي حين نفشل إنّما حين نستسلم.

6-         عدم الثّقة بالنّفس

كيف تتحدث مع نفسك عن نفسك ؟ اجابة هذا السؤال تحدد ما اذا كنت قد تعرضت للص من نوع اخر فهو لص يعيش بداخلك ، يذهب معك فى كل مكان ، يؤرق نومك ، هدفه هو النيل من أحلامك هذا اللص هو ” قلة تقدير الذات وعدم الثقة بالنفس”.

فضعف الثقة بالنفس يجعل بيئة تحقيق الاحلام بيئة هشة ضعيفة لأنها لا تسمح بإعطاء النفس قدرها من التعزيز والثقة . وتتغذى هذه البيئة على الحديث السلبى للذات والذى يقوم بدوره بتحطيمها وإبخاسها حقها مما يصل بها الى الركون والدعة لاعتقادها انه ليس بمقدورها فعل شيء وانها تفتقر للعلم والخبرة اللازمان لتحقيق الحلم المنشود.

7-         الخوف من الفشل

أن تفعل شيئاً ويفشل فتتعلم منه خير لك من ألا تفعل شيئاً على الاطلاق فتقعد ملوماً محسورا، فالإنسان يعيش فى سلسة من الاختيارات ولابد من الاختيار وتحمل نتيجته حتى تصل لتحقيق احلامك دون خوف أو خجل من فشل قد يحدث ودون الإحساس بالرعب من محاولة التجربة مخافة الفشل أو سخرية الاخرين. ومثال على ذلك ما فعله “والت ديزني” عندما أفلس أربع مرّات قبل أن ينجح في تحقيق حلمه في المرّة الخامسة في إنشاء مدينة ألعاب ديزني الشّهيرة، غير مكترث لردود فعل من حوله وسخرية النّاس منه. 

8-         سوء التّخطيط وعدم الانضباط 

هناك فرق واضح بين الهدف والأمنية ، فالهدف لابد أن يكون واضحاً ، مكتوباً ، قابلاً للقياس ، مقسماً الى عدد من الاهداف البديلة ، محدد له زمن وخطة لتنفيذه. أما الأمنية فهى مجرد دخان فى الهواء سرعان ما يتبدد وينقشع .

فالخطّة السّليمة هى ما يتوافق مع قدرات المرء ومهاراته وحرصه واصراره على الموصول للهدف المنشود ، وكتابة هدف بديل من شأنه معالجة الأمر اذا لم تنجح الخطة الأساسية والمساعدة فى البدء من جديد المهم الا تخرج عن المسار المحدد لتحقيق حلمك.

لابد من تدوين أهدافك بشكل واضح ووضعها فى مكان ييسر لك الاطلاع عليه باستمرار مما يذكرك بها دائماً ويساعدك على تحقيقها.

وتذكّر كلّما آمنت بأهدافك وركّزت عليها واستعنت بالله تعالى، ساعدك ذلك في تحقيقها ووفّر لك سبل النّجاح والوصول. سوء التّخطيط يسرق الأحلام، وعدم الانضباط بالخطّة الجيّدة يؤدي إلى ذات النّتيجة. وقد قيل: “إذا فشلت في التّخطيط فقد خطّطت في الفشل”.

9-         العيش لتحقيق احلام الآخرين

هل حلمت لنفسك ذات يوم فصحوت لتجد نفسك تعيش فى حلم غيرك؟ هل كنت تحلم بمجال خاص بك ترغب فى ارتياده وأتاك أحدهم ليثنيك عن هذا الحلم لتعيش داخل حلمه هو؟

البعض يعيش هذه الحالة فنجد أن هناك من كان يرغب بتحقيق حلمه ووجد نفسه مطالباً بتحقيق أحلام غيره كأن يرغمه والده على الالتحاق بكلية لا يرغب فى الدراسة بها أو أن يتزوج بفتاة لا يرغب فى الزواج منها أو أن يعمل فى وظيفة لمجرد أنه متوارثة بالعائلة.

اختر حلمك وحدد هدفك انت واسعى وتوكل على الله عز وجل وستصل إلى بغيتك يوماً ما بإذن الله.

10-      كثرة الالتفات والحيود عن الحلم

هل تعلم أن الغزال أسرع من الأسد؟ فلماذا اذاً يقع فريسة للأسد؟ لأنه لا ينظر الى هدفه وهو الفرار من الاسد بل يظل يلتفت خلفه ليرى موقع الاسد منه فيبطئ ذلك من سرعته مما يمكن الاسد الذى لا يلتفت خلفه الى اصطياده.

عندما ننظر للخلف إلى الماضي المنتهى أو الى الأخطاء التي وقعت أو حتى ننشغل بالتفكير فى المستقبل الذى لم يأت بعد، عندما نظل نذكر كل من أساء الينا أو سخر منا أو حقد علينا،  كل ذلك من شأنه ان يبعدنا عن التركيز على أحلامنا وإهدار طاقتنا فيما لا يفيد.

فمن كان له حلم عظيم أصبح هو شغله وشغفه ، استطاع أن يكثف جهوده وطاقته وجل وقته فى سبيله.

  لا تكن مثل الغزال لكن تعلم من الأسد.

وإلى اللقاء فى المقال القادم بإذن الله لنستكمل معاً حديثنا عن ( لصوص ولكن ….)

                                                                                                د/ شيرين جودة نصر

                                                                                    استشاري تنمية ذاتية وعلاقات أسرية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى