قصة.. الياسمينا والقماش

قلم الأديبة / رولا حسينات

نظر خلفه مطأطًأ رأسه وهو يضرب الحصى الرقيقة أمامه، ومضى وهو لا يلوي على شيء مبتعدًا عن صحن الصحراء التي كان للتو جالسًا عليها، مفترشًا صخرة كبيرة ملساء نحتتها يد الطبيعة… لم يكن الوصول إليها بالسهل فقد كان عليه أن يصعد إليها عبر الطريق الرملي الطويل…صوت جاءه من داخلها أقلقه ثم تبعه صوت آخر من أسفل الصخرة أثنياه عن تأملاته التي يقتنصها كل نهاية شهر…همس أفزعه: “أنت حبيبي…” الأصوات كانت عميقة أشبه بقرقعة هادئة…

صوتها، حزمة الورد التي تمتد حول فستانها الأبيض…لن يستطيع نسيانها…صياح الديك ذي الذيل الطويل متناثر كباقة من ألوان متناسقة،  وصراخ الصبية الممتدة سراويلهم أسفل  أرجلهم…بعد مسير ثلاثة أيام يلقفها بعد أن يبتلعه خط الأفق، وتقبضه ألسنة الجبال السوداء، … ما قطع تأملاته وهو ينتظر الوصول لحلقة التأمل تلك مع ما يحمله من ماء ومؤونة تكفيه لثلاثة أيام،  ويكون سيره إلى القرية ثانية ومنها إلى مدينة القماش؛  يمضي أغلب يومه في المخازن لا تكاد تبصره الشمس؛ وهو يتلقف مغيبها…

– إنه هناك. جاءه صوتها، وهي تمسك بثوب فتاة منقوش بورود ملونة على قماش أبيض اللون أعجبته نوعية القماش، وكاد أن يخمن من أين هو؟ لولا اختلاط الروائح عليه لكنه أقرَّ في نفسه أنه فارسي من النوع القديم الذي لم يعد يباع في محل القماش الكبير الذي يعمل فيه. أيقظه صوت الصغيرة ثانية، وقد مثلت أمامه كتمثال شمعي؛  ترسم ابتسامة على وجهها وهي تقول: شكرًا سيدي …لم يفعل شيئًا قبل ثلاثة أيام، كلُّ ما هنالك؛ أنه مرَّ في الطريق الذي يقطع القرية  وقد علق عينيه بحصى الطريق وكاد أن يعدّ رمالها، دون أن ينظر لأحد، ودون أن يلقي التحية على أحد…لولا أن استوقفه مشهد هذه الصغيرة ذات الشعر الأحمر؛ وهي تبكي من أثر جرح غائر أصاب ساقها، كان الدم ينزف، أنينها، وزرقة شفتيها، وابيضاض وجهها دلته على خوفها… شدّة، وعمق الألم فيها، فالجرح عميق.

– لا تقلقي يا صغيرة، إنه جرح سطحي…على خلاف ما ينبئه الجرح…

-تفضل هذه اللفافة…انتشله صوتها من بئره، وقد التصقت عيناه بصورتها وقذلة شعر انسلت من تحت وشاحها الوردي، بيدين مرتجفتين أمسك اللفافة وقد اقتربت منه لتعلق رائحتها بأنفاسه…لطمة الريح وصوت الصغيرة وهي تدعو الفتاة: ياسمينا لنعد.

-…إسماعيل ما الذي دهاك؟ غاص في الأقمشة لم يشعر بشيء، وقد وضع الحاج توفيق صاحب محال الأقمشة يده على ذراعه، وتلك اللفافة المعبقة بعطرها…ذهل بنظره عن الحاج، وهو يهذي باسمها: ياسمينا…سار خارجًا من المستودع يصعد بخطوات ثقيلة الأدراج خارجًا إلى النور، وقد قرر أن يعود إليها…أن يهاجر إلى حيث تسكن الياسمينا…وعينا الحاج معلقة به كما أعين الكثيرين، وقد لمعت عين الشمس في منتصف النهار. هام على وجهه ونور النهار يقصر تارة ويطول أخرى، وقد كتب على كلّ حبة رمل، وحدث ماء النهر…أني أحبك…

بين ضجيج المدينة، وتأملاته سكنت قلبه الياسمينا … حين تلقفته رائحة القرية كانت رائحة ثوبها الأبيض بوروده الملونة، أزكمت أنفه… كانت واقفة أول الطريق تنتظر وقد أنشدها الكون حنينه وهذيانه بالياسمينا. 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: