النظرة التحولية لواقع المرأة

قلم / رولا حسينات

الغريب في أنَّ المفكرين يرغبون في التغيير لحال المرأة وواقعها.

فهل التغيير وحده يفيد في إيجاد حلول ناجعة لما تعانيه المرأة في الحياة وبين صفحات الكتب؟!

غير أنَّ التغيير وفق المعطيات نفسها والعوامل المؤثرة سواء إيجابًا أو سلبًا هي ذاتها مع التغيير بدرجة معينة من الإزاحة لا يمكن الجزم بفاعليتها أو المراهنة على نجاحها، فهو فعليًا انتقال من إلى…

من نقطة إلى أخرى مع بقاء جميع ما ذكر ثابتًا…

فهل هذا ما نريده بالفعل؟

الحقيقة التي نحن بأمس الحاجة إليها ألا وهي النظرة التحولية…

فالأصل بالنظرة التحولية الانتقال من النظرة السابقة بكلّ سلبياتها ومساوئها وإفرازاتها إلى النظرة التي تحقق التكافؤ والعدالة والتسامح والإحسان والتوافقية بين افراد المجتمع، والمرأة نصفه وليست مجرد جزء فيه فهي ليست نصف إنسان بقدر ما هي إنسان له طبيعته الجسدية والفسيولوجية والنفسية.

“العقلانية والديمقراطية، وفي إطارهما يمكن للمرأة أن تجد حقوقها وحرية الرأي والتعبير والاعتقاد وغيرها من القضايا الشائكة”

 في الواقع أن الفلاحة مازالت حتى اليوم أشد اختلاطًا بالرجال وليست القرية رجعية كما يشاع، وليست متخلفة كذلك فالأساس في المدنية الإنتاجية والتحضر وهو ما يتحقق بالتشاركية والتوازنية مع الطبيعة، وكان نتاج التفاعل حفظ الحضارات والثقافات؛ فنقشت مواعيد الهطل ومواعيد الحصاد والخصب والزرع من قبل ومواعيد التجارة البحرية والبرية وأوقات الخسوف والكسوف على الجدران، ومازالت ماثلة حتى اليوم كالحضارة الفرعونية والنبطية على سبيل المثال.

فالمرأة القروية فعليًا كانت مزارعة ومسوقة للمنتج الزراعي والمرأة ممارسة للحصاد…

ومشاركة لعمل الجلة وتطين البيوت…

وشريكة في التعليلة والدبكة والحناء والأغنية الشعبية.

دون أن يكون هناك فساد أخلاقي.

وهذا ما كان بعيدًا كل البعد عن المرأة في المدينة ويجب الاعتراف بأن المدينة في الكثير من دولنا العربية لا تعد مدنًا بل قرية واسعة وأكثر اكتظاظًا بساكنيها، المدينة  لم تكن مدينة لا بتوفير الخدمات وليس بالإنتاج غير المدن الصناعية فلم تكن الحضارة الا بنشأة الزراعة، ومن ثم الصناعة، فالأساس التقعيدي بوجود الزراعة، والاستفادة من الطبيعة والموروث الثقافي في خلق التوازن .

المتفق عليه في  فلسفة الوقوف عند خصوصية عمل المرأة وماهية العلاقة العكسية أو الطردية المرتبطة مع ساعات العمل والأوضاع الأوضاع البيولوجية الخاصة بالمرأة كالحملـ والإرضاع، ناهيك عن الظروف النفسية، والجسدية والتي تلازم البيروقراطية وفق النظرية النفعية: والتي تقوم على أن القيمة الأخلاقية للسلوك الإنساني تتحدد بمقدار مساهمته في النفع، ويتوجب عليه أن يحقق أعظم منفعة لأكبر عدد من الأفراد (أفراد المجموعة)، والعبودية في تسليع الإنسانية المتزامنة مع تعظيم الربحية وتقليل للتكلفة الإنتاجية ومن ضمنها  قلة الأجور مع المطالبات المتزايدة برفع الانتاجية دون تقديم ضمان صحي أو حتى ضمان على الحياة أو دون تعويض أو رفع مستوى الأجور، حيثُّ يعتبر غياب المنظومة الأخلاقية أو الميثاق الأخلاقي:

(العقيدة، الوعي، الضمير والوازع الداخلي) في المنظومة التطبيقية للمنظمات والمؤسسات، ومنظمات الأعمال حول العالم، وتغيب مفهوم تغليب المصلحة العامة وضروريتها في التقدم المؤسسي، والتي برزت بشكل كبير من خلال العديد من الأزمات العالمية.

بعد أن كانت المطالبات بإلغاء القيود التشريعية حول عمل المرأة وعلى إثره ظهرت المرأة الغربية بصورة أكثر قوة وشراسة، ووضوحًا كالمرأة الكاتبة والمؤلفة والعاملة بالصحافة، والفن والكثير من الوظائف الإدارية وكذلك المحاميات للواتي رافعن عن موكليهن في المحاكم في نهاية القرن الثامن عشر ،  وقبله كان الوقوف إلى الكثير من المطالبات بتعليم المرأة تعليمًا متقدمًا، وقد تزامن مع هذا النمو والانتقال الجذري في القضية التعليمية متزامنًا مع ظهور نوعية جديدة من المشاكل الاجتماعية كارتفاع سن الزواج على سبيل المثال. وعليه، زادت نسبة العنوسة وتغيرت النظرة المجتمعية للزواج، ولكن في نفس الوقت رافقه التقدم الذهني والفكري للكثير من النساء، وهذا يصب في عمق الفائدة التي تعود على المجتمع وتقدمه؛ إذ يفسح المجال لطاقات جديدة وأفكار جديدة وملهبة وملهمة.

مع تفكيك للعقد الاجتماعي إلى حد ما، وليس على إطلاقه بإضعاف القيود الاجتماعية، والتي ستنعكس على النظرة الدينية، وسيثير فكرة الاستقلال المالي والاجتماعي وزيادة المطالبات بالحقوق القانونية التي تحفظ كرامة المرأة.

في هكذا زمن علينا إعادة النظر في وضع المرأة بدءًا من الثقافة والمجتمع وانتهاء بالاقتصاد والعمل، وهو الذي يوجب النظرة التحولية بأنَّ المرأة عنصر متكامل متداخل مترابط لا يمكن نقضه أو تجاوزه أو إنهاؤه أو التغاضي عن حقوقه وواجباته، والذي يعني انسيابية بناء المجتمعات، وليس بتجاوز القضية من أساسها.

وإن كانت هناك فلسفة تضادية؛ فهي بالضرورة تعني وجود توافقية بين المتضادات لخلق فكرة متكاملة من هذه المنظومة.

في الواقع إن قضية المرأة الأديبة لا يمكن الوقوف عليها من وجهة شائكية التعريف وإشكالية المنهج إلا من خلال طرح يتصف بالعقلانية وفق المنهجية الاستدلالية الاستقرائية بالاستناد إلى الناتج الفكري المعالج لمجموعة القضايا المطروحة بالخطاب النسوي والتي تستقي من المشاكل المجتمعية وبخاصة الأسرية وخصوصيتها.

والمعالجات المبكرة لقضايا النشأ ومدى تأثر المرأة العربية بواقعها  وما يفرضه من جهة وما تؤثر فيه المرأة من جهة أخرى.

وإن نالت ذلك الحق فما الذي سيكون عليه الأمر بتأثير سلبي أم إيجابي؟

مشاركة المرأة كلاعب أساس في المنظومة المجتمعية والاقتصادية والسياسية والقانونية كتحصيل حاصل، فهي النصف المتمم للمجتمع النصف المستقبلي والنصف الذي يضمن البقاء، والنقاء والاستقامة والمنظومة القيمية للمجتمعات فإن كان التقنيين والتشريع للقوانين الخاصة بالمرأة مجنبًا مشاركتها أو استشارتها برأيها.

 فما الذي يجعل لهذه القوانين وزنًا ويهيئ ايجابًا لقبولها وعدم رفضها؟.

وما الذي سيمنع النساء اللواتي يقدمن على خوض غمار العمل ومهما كانت شقوته وما الذي يجعلها تصبر على تزايد الحمل عليهن بشكل يفوق طاقتها الاستيعابية؟

 إلا أن يكون هناك ظروفًا قاهرة أوجبت مشاركتها ودفاعها بشراسة عن حقوقها وعن مكتسباتها.

“أجاز ابن حزم أن تتولى المرأة وظيفة لها خطرها وجلالها العظيم، وهي وظيفة القضاء، وقد منعها أكثر الفقهاء من ذلك، ويؤكد ابن حزم على مساواة المرأة بالرجل – في حدود تخصصها؛ فالجهاد على المرأة ندب ولا نهي عنه، وجهادها الحج، والنفار للتفقه في الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليها كوجوبه على الرجال، وفرض عليها التفقه في كل ما يخصها، كما أن ذلك فرض على الرجال، وفرض عليهن كلهن معرفة أحكام الطهارة، والصلاة، والصوم، وما يحرم من المآكل والمشارب والملابس، وغير ذلك كالرجال ولا فرق،ولو تفقهت امرأة في علوم الديانة للزمنا قبول نذارتها، وقد كان ذلك؛ فهؤلاء أزواج النبي وصواحبه قد نقل عنهن أحكام الدين، وقامت الحجة بنقلهن، ولا خلاف بين أصحابنا وجميع نحلتنا في ذلك “.

 فالمرأة الأزيدية والمرأة اليمنية والمرأة الكردية كلهن نساء عانين من جور الحروب والنزاعات الطائفية والتطهير العرقي لاختلاف في المذهب واللون

والجنس بل وكان ما عانته الواحدة منهن من اضطهاد واغتصاب ما لا يستطيع أحد تحمله وفي القرن الحادي والعشرين.

يومًا احتلت المرأة مكانة خاصة بفكر ابن رشد كان ذلك قبل قرون حيث يبرز ذلك من خلال النصوص؛ التي أبرزها ابن رشد حول مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي فلم يتردد في إنصافها من منطلق العقل ومقاصد الشريعة.

“فابن رشد يرى أن الغاية الإنسانية تجعل المرأة مساوية للرجل ومماثلة له بالطبع فلا يمتنع أن يكون بينهن حكيمات وصاحبات رياسة فالمرأة من حيث الفطرة أن تشتغل بالفطرة فتكون حكيمة وأن تشتغل بالسياسة فتكون رئيسة دولة “.

ففكرة الفيمنازيم أو النسائية أو النسوية أو أدب المرأة أو قضايا المرأة التي لم تعد تخصها فقط وسلخها عما يحيط بها، بل بإعادة هيكلة بتغليب الايجابية ومأسسة لبنية جديدة في المرأة منذ زمن بعيد من النخاسة.

 إن كان مقبولاً في بداية أو منتصف القرن التاسع عشر بجلب النساء من الأحراج والأدغال وبيعهن في سوق النخاسة بلا ثقافة عنوة فهو الزمن ذاته اليوم في البوسنة والهرسك وغيرها ….

بعيدًا عن كل قصص الجن والشياطين وخرافات العقائد الموروثة أو القيم الموروثة تبقى هناك الإنسانية إن لم تكن من وجهة نظر الروحانية الصادقة فلتكن لأجل المصلحة العامة.

“في حين كان المنجّمون المتكلّمون في قرانات العُلويّين يترقّبون القران العاشر في المثلّثة الهوائية (قراءة النجوم والطوالع).”

كانت النساء في خوضهن للصعاب وذلولها في القرن الماضي، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر خضن نضالاً عنيداً من أجل حقوقهن.

فالواقع السياسي الذي شهدته الرقعة على امتداد الوطن العربي بشقيه الآسيوي والإفريقي من حركات ثورية نضالية طلبًا لنيل الحرية بداية من المستعمر، ومن ثم رغبة في نيل بعض الحقوق؛ وذلك تحقيقًا للعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص واحترام الكرامة الإنسانية، الواقع بظلمه وجبروته وقهره وشقائه لم تكن في حقيقة الأمر

 حكرًا على الرجل العربي فواقع العيش المشترك والتشاركية آتت أكلها، فواقع الظلم والاستبداد والاضطهاد والقتل والتهجير والاغتصاب والزج بالسجون، لم تكن المرأة بعيدًا عنها بل كانت شريكًا أساسيًا في العملية النضالية واللعبة السياسية، كما كانت شريكًا أساسيًا بتحمل الجور والظلم، وقد كانت على قدر المسؤولية، وأسماء المناضلات العربيات لن تغفلها صفحات التاريخ العربي المشرقي المشرف في الحركات النضالية.

إذًا هكذا واقع لم يجنب المرأة من دخول معترك الساحة أيّ ساحة كانت؛ سياسية،  اقتصادية أو اجتماعية بل كانت واقعًا مفروضًا لا يمكن اعتباره مفروضًا على أقلية أو فئة مهمشة مظلومة هشة، وحيثُّ عانت المرأة الأمرين كان لا بد من سماع صوتها، حتى وإن لم أُغفل اتخاذ رأيها على مدى قرون من الزمان، فصورة المرأة العربية ليست كما تظهر في الإعلانات (بالمناكيير والروج) وليست بائعة هوى كما في الإعلانات والدعايات التجارية (أسواق النخاسة بnew look)، وإن ألحق بها الرغبة والرومانسية فمردها للطبيعة البيولوجية والفسيولوجية أو السيسيولوجيا سواء كانت باختيارها طواعية أو كانت قسرًا عليها، فهي في نهاية المطاف ليست مخالفة عن حقيقة أنها مأنس الرجل وبيت سره وشريكة سعادة وشقاء على نحو سواء وليست متاع الفراش وحسب.

الصوت الذي لم يكن مسموعًا أو خيف من سماعه كان مداده قلم صارخ  للمرأة العربية التي خرجت من ثوب الصمت إلى ثوب السرد ، وإن قيل أن المشهد لم يخرج عن كونه أدبًا رومانسيًا صنعته المرأة  أو أدبًا ناعمًا أو حتى ما يسمى انتهاكًا للثالوث التابو (الجنس، السياسة والدين).

(وقد سعت المرأة حثيثًا منذ أواخر الخمسينات إلى إطلاق صوتها الخاص، والتعبير عن مجمل آرائها فيما يختص وجودها ضمن مجتمع يرفض انطلاقتها ويتوجس من الحريات الجديدة التي طالبت بها .)

فالكتابة في هذه المحرمات ليس بالأمر الجديد إن كان الرجل يقنع نفسه بذلك فالأمر راجع للفلسفة التي يختارها لتريحه، إذ كان الفن الرائج لسنوات طويلة وما حفلت ب للرجل إذ ركز فيه على الحواس والتفاصيل الممنوعة وقد باعد بينه وبين القضايا المصيرية.وما حفلت به دور السينما وما غُذت به عقول الشباب من نتاج القلم الذكوري أكثر منه قلمًا

فالقلم النسوي لم يكن السباق لهذه الانتهاكات بالكتابة فيها بقدر ما كان القلم الذكوري (إن كان  يجوز التمييز بين قلم المرأة أو الرجل على هذا النحو كما خاض في ذلك الكثيرون) وكما هو معروف أن البادئ بالكتابة علانية والتصريح بكلّ شفافية

والكشف عن المستور كان الرجل، بل عمد كثير من الكتاب بالنصوص الروائية باسم الحرية إقحام السياسة بالجنس بخلط مبرر رسمًا لواقع السياسة والجاسوسية أو

توجيهًا للشباب لتمييع القضايا السياسية، وإن كان مقبولاً ورائجًا بوجود عوامل كالدعم السياسي والانقسام في السلطة ومحاربة الإخوانية، وغيرها…

ما أوجد النجومية وأسماء لامعة من الكتاب المتحررين على الواقع المعاش وأزمات كحرية المرأة ورفض الحجاب والخروج عما هو مألوف، لا يمكن القول أن ما كان

هو الصحيح من قمع للحريات أو وجود لفكرة سي السيد أو التسليم بما أصبح عليه الحال من لوبيات متحررة مدفوعة كان أكثرها شراسة التحرر الأدبي.

 الذي لم يكن مقبولاً بأيّ شكل من الأشكال على الرغم من رواجه ليخدم كما أسلفنا مرحلة ما بكلّ عواملها ولكنه بالواقع رواج للأدب الرخيص، وإن كانت المرأة

الكاتبة قد دخلت هذا المعترك فهو على سبيل الحرية والأخذ بأسباب الخروج عن النصوص والقيود وصور الاحتكار.

لن يكون دفاعًا بقدر ما كان التصور من وجهة نظر الكاتبة السخط على الواقع الذي تعيشه وكانت سببًا في شهرة العديد من الكاتبات وبل بالترجمة  لأعمالهن، إنَّ مجمل القضايا الأساسية التي بحثتها الأعمال الأدبية النسوية هي: كما تعرفها “نعيمة المدغري” في كتابها “النقد النسوي”: “لا تقتصر على كونها مجرد خطاب يلتزم بالنضال ضد التمييز الجنسي ويسعى إلى تحقيق المساواة بين الجنسين، وإنما هي أيضًا

فكر يعمد إلى دراسة تاريخ المرأة وإلى تأكيد حقها في الاختلاف وإبراز صوتها وخصوصياته”…

في حين إيلين شوالتر الناقدة النسوية في كتابها “حرية المرأة وأدبها” تميل إلى الربط بين مفهوم الخصوصية في الكتابة النسوية، واختلاف الحياة التي تحياها المرأة

والواجبات المنوطة بها حيث ينتج عن ذلك كما ترى “مضمون مختلف في أعمالها الأدبية، وإن هناك من الملامح المشتركة بين هؤلاء المؤلفات بما يكفي لرسم تقاليد

أدبية نسائية واضحة ومحددة”.. الاتجاه الثالث “البين بين” وهو بحد ذاته لا ينفي المصطلح لكنه يميل لصعوبة إحاطته بالفكرة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: