قلم الأدباء

أقدار

قلم الأديبة / رولا حسينات 

 

قدرته على تلاوة المصحف وقراءة الصحف، يجعلهم ضمن خارطة الأحداث المحلية والعالمية والأهم العالمية التي لا يعرفها أحد غيرهم، رغم علمهم أن ذلك الصندوق الذي يأتيهم بالأشباح بهيئة البشر يمتلكه كبراء البلد ولكنه مثبت على المحطة المحلية، سواء في أمّ الغيطان أو في الغيطان المحيطة، وبذلك لن يكونوا عرضة لسخرية القرى المحيطة بهم من عدم ثقافتهم وجهلهم، هذا الجهل يمكن أن يعزيه فوزي كما الآخرين إلى عدم وجود مدرسة في قريتهم وذلك من محاربتهم لأيّة فكرة لدخول أحد من المتعلمين من المدينة إلى قريتهم، ليغيّر عاداتهم ويباعد ارتباطهم بأرضهم، لقد كان جميل المتعلم الوحيد في قريتهم بعد أن تحمل ضرب الشيخ عبد الصمد له بعصاه النحيلة الموجعة على قفاه، وقد تركت جرحا غائرا لن يشفى منه.

 قدرته على التحمل ورؤيته لذل أمه على يد زوجها الثاني، معاملة لا تبعد عن كونها جارية  للجشع مسعود وأولاده الشرسين جعلوه مصمما على البقاء مهما كلفه الأمر، لقد كان وريثا كما يعلمون للشيخ عبد الصمد بعد وفاته، لكن عدم إتقانه مخارج الحروف والتي يمكن أن يعزيها لذلك الرهاب الذي يصيبه من تلك الأعين التي لا تنوي به خيرا، وقد أعزى البعض أن هذا الصبي هو سبب وفاة الشيخ عبد الصمد، لولا تلك الصرخة التي يصدرها المجذوب فتفزعهم وتريحه -حي يا طيب يا صمد حي-.

فكان إيمانهم الأكيد بعد ذلك وتسليمهم بقدرة الله سبحانه في الأعمار، قربه من الحاج طاهر هي رغبة في داخل الحاج طاهر على أن يكون له ولد متعلم أقصى أنواع العلم الذي لم يعرفه أحد يشتهيه، وما يدور في نفس جميل أنه سيصنع معروفا مع الحاج طاهر يوماً ما…

– تعلمه القراءة من المصحف الشريف لم يجعله شيخا… هكذا أجاب فوزي بسخرية على فهمي الذي نهاه عن ضرب الصبي والسخرية منه، الذي يعرفه الجميع أن فوزي فقد أرضه التي ذهبت بين الحاج طاهر وبين مسعود، فالأخير طالبه بدينه ولكنه لم يستطع الوفاء به، وكان قد رهن أرضه عند الحاج طاهر الذي بدوره أعطاه المال الكافي لسداد مسعود، ولكنه في نفس الوقت جعله يعمل فيها كرئيس للعمال، الحاج طاهر له من اسمه نصيب، هكذا كانت محبته تنبت في قلوب الفلاحين، الجميع يعرف هذه المعادلة ويسلم بها، ولكن فوزي بقي حاقداً ينظر بضيق لذلك الفتى وعينه معلقة بالحاج طاهر الذي لم يكن ليقنعه هذا الثراء الذي شبّ بين يوم وليلة، الحاج طاهر تاجر القطن الأول في المنطقة، وقد جرى المال في يده وجعله يشتري أراضيهم الواحدة تلو الأخرى.

 لم يعرف أحد تلك العلاقة التي شبت بين الحاج طاهر ومسعود رغم قلة اللقاءات بينهما لانشغال الحاج طاهر في المعمل، والأرض، ومراعاة العاملين ومراقبتهم، ومعالجة بيوتهم، وتقديم العلاج الصحي للكثيرين منهم، لن يستطيع أحد إنكار فضل الحاج طاهر على أيٍّ منهم، لقد أصبحت أحوالهم أفضل بكثير مما كانت عليه قبل فقدانهم أراضيهم، ما عوضهم به اهتمام الحاج طاهر بهم وبظروف حياتهم، فباءت محاولات فوزي في تأويل القلوب تجاهه بالفشل وماتت في مهدها، وهو في نفسه لم ير من الحاج طاهر غير الخير، وقد أكرمه حين أصبح رئيساً للعمال، وزوجته خديجة التي تعمل في خدمة فاطمة زوجة الحاج طاهر تعامل معاملة طيبة، لم يكن الحاج طاهر يفكر في أيّ مما يفكر به هؤلاء وهو يلف خرطوم النارجيلة ويهب واقفا مستأذنا الباقيين في سهرتهم، لكنهم ما لبثوا أن غادروا الواحد تلو الآخر حين غادر الحاج طاهر كمسبحة قد تناثرت حباتها فوق بلاط أملس صعب معه جمع حباتها…

 لم يكن الحاج طاهر ليخرج لوحده  بل كان الجميع راغبين في أن يكونوا بصحبته لعلهم ينالوا برفقته شيئا يحلمون به، لكن جميل كان أسرعهم ومضى الخيالان يبتلعهما الظلام، وأعين المراقبين تكاد تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلع ذلك الصبي.

الحاج طاهر لم يجد تفسيراً لتلك العاطفة في قلبه تجاه هذا الصبي وهو يعرف كره الكثيرين له فهم لا يتذكرون البؤس الذي يعانيه منذ صغره، الفقر الذي لحق به وبأمّه أمينة بعد وفاة والده وعدم تركه لهم غير تلك الغرفة الطينية التي تخرّ على عروشها من وقع أمطار الشتاء وريحه الباردة، أمام هذا الطفل التعس الذي تبكيه في نفسها، لم تكن لترفض طلب مسعود لها بعد وفاة زوجته، وتركها خمسة من الأفواه الصغيرة، عودة مسعود لم تكن ببال أحد لكن انتهاء عقده وتفنيشه من السعودية كسائق في إحدى الشركات الكبرى على حد زعمه وربما كان سائقاً أو مستخدماً في أحد البيوت هناك، ومن يدري؟؟!! فأكاذيبه كثيرة…

 أمثاله لا يعرف صدقهم من كذبهم ويكنيه الكثيرون -بالحية من تحت تبن- ولكن جميل الذي تزوجت أمه بآخر لتخرجه من حياة البؤس، لم تستطع أن تمنحه الكثير غير ذلك الطقم من الملابس الذي ضاق على مسعود الذي بدأ كرشه بالتكور أمامه، ذكاؤه هو الذي مكنه من التعلم أمام غضب الشيخ عبد الصمد وضرب المجذوب بتلك العصا الرفيعة، وهذا الضرب الذي لاحقه من ذلك الزوج النزق، أمه كانت بمثابة خادمة لأولاد خمس، ربما لعنة جميل هي التي جعلتهم يفشلون في مدرسة المركز التي أرسلهم إليها زوج أمه، لكنهم تفرقوا بين الأعمال المختلفة في التحميل والزراعة والتجارة وكانت دكانه الصغيرة التي يملكها بمثابة مغارة علاء الدين فقد درت عليه الأرباح الكثيرة، التي لم يستطع جمعها من عمله في السعودية.

 العمل في السعودية كانت ملجأ للكثيرين بعد أحداث الحرب العراقية الكويتية وحرب الخليج الأولى، وعودة الكثيرين منهم دون تعويض بل هروباً من ويلات الحرب الطاحنة التي حولت منطقة الخليج إلى مستنقع من التمثيل الدولي، أكثر من ثلاثين دولة أثبتت تواجدها وكثير من دول المنطقة أصبحت قواعد للخلاص من نظام صدام حسين، بعد أن كانت العراق والكويت بؤرة ثورة القرويين للعمل فيهما، رغم الظروف القاسية التي يعانونها هناك ولكن بعد تفنيش الكثيرين وإنهاء عقودهم تعسفا، كان لا بد لهم من إيجاد خيارات جديدة لا يزاحمهم سوء الطالع  فيها، فبدت السعودية والأردن خياراً مثالياً للعمالة غير الماهرة في أسواقها المحلية…

تلك الحرب الطويلة التي أعادت ترتيب التحالفات الدولية، بعد حرب الثمان سنوات، في نفس الوقت خلقت تباينا في الغنى الفاحش لكثير من العاملين هناك، بشرائهم الكثير من الأشياء بأسعار قليلة، وقد تكون بالمجان. ناهيك عن اتجارهم بالعملة، والتكسب من عمليات النصب والاحتيال، ربما يكون مسعود واحداً من هؤلاء، ولكن لا يوجد ما يدل على ذلك، دكانه هذه وتلك الأطيان التي اشتراها لم تكن تكفي ليعتبر واحداً من أغنياء الحروب…

 السكاكر والبون بون والسكر والسمن والحلاوة والطحينية والأرز والحلوى السمسمية والسجائر هي مصيدته للفلاحين البسطاء، وكان يختال بنفسه في بنطلونه وقميصه المخططين، وذلك المشط الخشبي الأحمر الذي كان يفرق به شعره من المنتصف بعد أن يضع عليه الكثير من الدهن الذي جاء به من السعودية، وذلك الحذاء الأسود اللامع، لكن غيرته من جميل عند مقارنته بأولاده جعلته يمنعه من الذهاب إلى المدينة لإكمال تعليمه ما جعله يسيء معاملته ويصمم على ضربه…

 فما كان من الحاج طاهر إلا أن آواه إليه، وأعطاه الكثير…نظرة الحاج طاهر في أن تكون مدرسة ليتعلم فيها الصغار حلم يأمل أن يحققه…

 بناء مدرسة كانت هي رغبته الملحة في التغيير …كما كان قلب فاطمة …”كل شيء لله.”

الصندوق الصغير ذي المؤشر الأحمر المتأرجح والذي تتبعه أعين الكثيرين كان كفيلاً في إنهاء المشاحنات، حيث تتعلق به العيون والآذان وبخاصة عندما يخرج من مستطيله الخشبي أصوات وموسيقى كانت بالنسبة إليهم دخيلاً على قريتهم التي هجرها الكثيرون وعاد إليها القلة القليلة، والذين لم يساهموا في تغييرها أو تحديثها، حتى التلفاز الأبيض والأسود لم يكن له تأثير عليهم لأن الجميع حولهم يشاهدون نفس الخبر ويسمعونه، يريدون ما يميزهم ولم يكن ذلك سوى بقراءة الصحف وبخاصة الممنوعة أو الغريبة، ومع ذلك لم يكن أيٍّ منها ليصيبهم بصيبٍ نافع، كل ذلك كان كفيلاً لأن تنام قريتهم في سبات عميق…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: